ابن سبعين
355
رسائل ابن سبعين
التقديم والتأخير يلزم في شأن اللّه لمن يريد أن يحصل ، وطال تأمله فبعث اللّه العلم إليه بالمراتب المعتبرة عنده ، وعلمه ما هم الناس بسبيله ، ومد له حبل نجاته منه ، وأطعمه من موائد الذوات الجليلة ، وأظهر له التطور الأعلى . ولا يظن أن حاله يشبه المعراج ، فإن أمره جاء بعد الوحدة الصقيلة البسيطة الحرة ، وتلك لا يسع فيها إلا الامتداد ، ولا يطلق عليها التقديم والتأخير ، فإنها ماحية وهم الإضافة ، ولا المقامات ؛ لأنها لا تتوجه بها إليها مع عدم الامتياز فيها ، وإن كان ذلك فمن جهة المظاهر ، ولا الأسماء ؛ لأنها في عقب مدلول يتحد بمفهوم المسمّى ، ويجمع عين الولاية ، وإن قيل هي القليل والكثير فبالوجه الذي تقدم ذكره ، ولا حي بن يقظان فإنه اطّلع على أوهام الطبيعة ، ونظر في نفسه العالم ، واستدلّ عليه بحاصله منه ، واستعان بحصر الأنموذج ، وتفهمه وتصفح كليات العالم ، واطلع على مراتب الإلزام بالصنائع النفسانية . وهذا لا يجمل بمن يعلم ما فوق الأفلاك ، فكيف بمن كأنها ، ثم انتقل من ذل ذلك الظل ، وإلى اللّه فك معمّاه . وما عسى أن يقال في رجل أقل ما يطمع فيه تحصيل الوجود ، ويقول : هو بعض مطالبي ، وما بعده هو الأصل ، فأمّا على وجه أكمل من المألوف ، ويتحرر عندي ، وأمّا الأمر أعز ، هل هذا إلا إفك أقبح من ذلك القديم الذي نبه عنه ربنا القديم ؟ فاسمع بأذن قلبك ، وأصح الآن بمجموع معناك إلى ما أدفعه إلى شأنك من اللّه هذه الأخبار كلها ، وهذه الطوائف هي مني ، وأنا القائل لها ، وأنا كنت ، ولمّا كانت ؛ لأن عندي غير الذي كنت قبل بها ، وأهملتها حتى في النسب وفي الضمير ، وأيضا جميع الأخبار المحصلة المحركة للضمائر هي واحدة في الناس ، فمن نسبها إلى أكثر صدق ، ومن صرفها إلى نفسه صدق ، مثل الحديث الصادر عن بادئ الرأي ، والأخبار الضرورية ، والرجل الأول ؛ هو ذلك الأخير ، غير أنه كان على مفهوم الدائرة الوهمية ، وتنوع مرتين : مرة في صعوده بالتركيب ، وأخرى في نزوله بالتحليل ، فلذلك أخبر عن الكشف ، وأخبر عن الأمر الواحد ، ثم ذكر الجميع على جهة الحكاية لا أنه اغتبط ، وأمره يرجع بالجملة إلى اللّه ، وهو الآن قد كمل وتركيبه في التحرير لا في التضليل . ومما قال : هل ما أنا بسبيله الجليل الذي لا يعلل أمره ، ولا يقدم عليه بالشاهد الذي تصح منه المشاكلة الوضعية ، وغاية النفس الكاملة تسلم وتسلم وتستسلم ، وتكون أكثر من ذلك في مفهوم ذلك ، أو تقول : هي في المجموع المذكور كالروح ، وما هو به الإنسان ما هو على الجملة ، أو لعله ذلك بالجملة ، وهو في الناس يقال على كثيرين ، وحيثما عقل